أميمة محداد
في عام 2012، اختفى الشاب الأمريكي كريستوفر تود إريك عن عمر يناهز الثالثة والعشرين. كان يعيش في ظروف صعبة كمشرد، ويعاني من اضطرابات في الحياة الاجتماعية والنفسية، بحسب ما نقلته والدته كيم سميث في شهادات لاحقة. لم يعرف الكثير عن مصيره حينها، سوى أنه اختفى فجأة دون أثر، ولم تتمكن عائلته من العثور عليه رغم البلاغات المتكررة.
في مارس من عام 2025، انتشرت عبر الإنترنت قصة إنسانية صادمة تصدرت المنصات الاجتماعية: امرأة تدعى كيم سميث تؤكد أنها تعرفت على جثة ابنها المفقود، كريستوفر تود إريك، داخل معرض تشريحي يحمل اسم "Real Bodies" بمدينة لاس فيغاس. المشهد كان مشحونا بالعاطفة والدهشة؛ أم تصرخ وسط المعرض: "هذا ابني!"، بينما يقف الزوار مذهولين أمام هذا الادعاء غير المسبوق.
لكن رغم حجم القصة وعمقها الإنساني، إلا أن المدهش هو ما لم يحدث.
صمت الصحافة الكبرى
في عصر تنشر فيه الأخبار في دقائق، لم تنقل أي من المؤسسات الصحفية المعروفة — مثل CNN، New York Times، Washington Post، The Guardian — أي خبر أو تقرير عن هذه الحادثة.
الصحف المحلية في لاس فيغاس، وكذلك المؤسسات القضائية والطبية في نيفادا وتكساس، لم تصدر بيانات أو تعليقات، ولم تنشر نتائج طبية رسمية أو فحوص حمض نووي تؤكد أو تنفي هوية الجثة. وهذا الغياب الإعلامي التام من الجهات المعروفة يعد في حد ذاته مؤشرا مقلقا.
مصدر القصة: حملات إلكترونية وشهادات شخصية
تعتمد القصة أساسا على حملة أطلقتها الأم على موقع Change.org بعنوان: “Demand DNA Test Of THE THINKER Model”، حيث تطالب المعرض بإجراء فحص DNA للجثة المعروضة، مدعية أن بها ندبة في الجمجمة تتطابق مع إصابة ابنها، وأن وشما كان لدى الشاب قد أزيل عمدا خلال "تحنيط" الجثة.
ورغم تفاعل الآلاف مع الحملة، إلا أن المعلومات بقيت في إطار الشهادات الذاتية والمطالبات العاطفية، دون أي ظهور لوثائق قانونية، نتائج طبية، أو حتى بلاغات شرطة موثقة.
شكوك مشروعة: غياب الأدلة وتناقض السرديات
قامت بعض المدونات والبودكاست مثل Strange Sisters Podcast بتضخيم الرواية، وأضافت عناصر درامية مثل احتمال تعرض كريستوفر للتسميم بالسيانيد وتعذيبه. لكن هذه العناصر لم تجد أي سند في تقارير موثقة أو وثائق وفاة.
ومع ذلك، ورغم ما تحمله هذه الرواية من قوة درامية، إلا أنها تفتقر إلى ما يجعلها قصة موثوقة: توثيق رسمي، تحقيقات مستقلة، وتقارير طبية صادرة من جهة رسمية.
لماذا لم تتدخل المؤسسات الصحية والقانونية؟
هذا السؤال هو ما يجعل القصة تقف على حافة بين الواقع والافتراض. فلو كانت الجثة بالفعل تعود لشخص مفقود في ظروف غامضة، وكان هناك طلب رسمي لفحص الحمض النووي، فمن المتوقع أن تتحرك الجهات المسؤولة على الأقل لتوضيح الموقف، أو إصدار نفي، لكن ما حدث هو صمت مطبق.
وهو ما يدفع إلى الاستنتاج الأرجح:
ربما لم تكن هناك معطيات كافية للصحافة الاستقصائية أو المؤسسات العدلية لأخذ القصة على محمل الجد.
ويبقى السؤال الأهم، هل فعلاً تم التلاعب بجثة إنسانية وتحويلها إلى "نموذج تشريحي" دون موافقة أو هوية؟ أم أننا أمام سردية إنسانية مؤلمة استندت إلى تشابه جسدي وألم فقد لم يلتئم؟
القصة، كما تبدو اليوم، محصورة في فضاء إلكتروني مفتوح، لم تنل من مصداقية التحقيق الرسمي، ولا من وضوح الصحافة الاستقصائية.
وبالتالي، فإن غياب أي استجابة من كبريات الصحف، ومؤسسات الصحة والتشريح، يجعل القصة — على الأقل إلى حدود الساعة — موضع شك، ويندرج في خانة "الادعاءات غير المؤكدة".
ما يخيف في هذه القصة ليس فقط الرعب الأخلاقي المحتمل خلفها، بل أيضا هشاشة الحدود بين الحقيقة والوهم في زمن السوشيال ميديا. فبين دمعة أم، وصندوق زجاجي بارد، ومطالبات على موقع عرائض، ضاعت الحقيقة بين الصمت والضجيج.