أميمة محداد
أعلنت الجمعية الدولية لعلم الاجتماع (ISA) ، عن تأسيس شبكة جديدة تدعى (Queer ISA Network - QISA)، تهدف حسب وصفها إلى "ربط الأعضاء ذوي الميولات الجنسية المختلفة" داخل الجمعية، وذلك على هامش المنتدى الخامس لعلم الاجتماع الذي يحتضنه المغرب لأول مرة في تاريخه، وتحديدا في جامعة محمد الخامس بالرباط، خلال الفترة الممتدة من 6 إلى 11 يوليوز 2025.
وجاء الإعلان عبر الصفحة الرسمية للجمعية على "فايسبوك"، حيث وصفت الشبكة بأنها "مساحة للتعاون والدعم وتبادل الخبرات"، مشيرة إلى أنها تسعى لجعل الجمعية "مجتمعا أكاديميا أكثر شمولا". ورغم اللغة التي تم بها تغليف المبادرة بمصطلحات من قبيل "الدعم المتبادل" و"الاهتمامات البحثية"، إلا أن فحوى الشبكة ومقاصدها الحقيقية تثير موجة استنكار وانتقاد عارمة، خاصة في السياق المغربي المحافظ، الذي يرفض بشكل قاطع أي تطبيع أكاديمي أو مؤسساتي مع ظاهرة الشذوذ الجنسي.
ما يثير القلق في هذه المبادرة ليس فقط توقيتها، بل المكان الذي احتضن الإعلان: واحدة من أعرق الجامعات المغربية، في قلب العاصمة الرباط. وهو ما يعد سابقة خطيرة تضرب في الصميم استقلالية المنظومة الأكاديمية المغربية، وتجعلها عرضة لاختراقات أيديولوجية تستند إلى مبررات "علمية" واهية، لا سند لها في العلوم الطبيعية أو النفسية أو الاجتماعية، بقدر ما تروج لها مؤسسات ضغط دولية تسعى إلى تفكيك البنى القيمية للمجتمعات بدعوى "التحرر" و"الاختلاف".
رغم محاولة البعض تمرير الشذوذ الجنسي تحت غطاء مصطلحات مثل "الاختلاف" أو "الهوية الجندرية"، إلا أن غالبية الأدبيات العلمية المستقلة، خاصة في مجالات علم النفس، البيولوجيا العصبية، والطب النفسي، لا تصنف هذه الميولات ضمن الفطرة البشرية أو التنوع الطبيعي، بل تربطها غالبا بعوامل بيئية، نفسية، وتجريبية قد تؤدي إلى انحرافات سلوكية قابلة للتفسير أو حتى للعلاج.
ويؤكد العديد من العلماء والباحثين أن الترويج للشذوذ الجنسي في المؤسسات الأكاديمية تحت غطاء البحث العلمي ليس سوى أداة أيديولوجية تستعملها قوى ناعمة لفرض نماذج سلوكية شاذة وتعميمها ثقافيا، وهو ما يهدد استقرار المجتمعات ويربك سيرورة التنشئة الاجتماعية لدى الأجيال الصاعدة.
إن استضافة جامعة محمد الخامس، كمؤسسة تعليمية عمومية ممولة من دافعي الضرائب المغاربة، لمثل هذا الحدث المثير للجدل، يطرح سؤالا حرجا حول حدود الحرية الأكاديمية: هل يحق لمؤسسات أجنبية أن تحول الفضاء الجامعي المغربي إلى منصة لتسويق الانحرافات تحت شعار العلم؟ وهل تسكت وزارة التعليم العالي عن هذا النوع من التغلغل الأيديولوجي داخل مؤسساتنا؟
إن السماح بمثل هذه المبادرات يمثل تواطؤا صامتاً مع مشروع خطير يسعى إلى تحويل الجامعات إلى مختبرات هندسة اجتماعية موجهة، لا تعترف بالخصوصيات الثقافية ولا بالثوابت الدستورية للمملكة المغربية، التي تنص صراحة على أن "الإسلام دين الدولة"، بكل ما يقتضيه ذلك من رفض قاطع لكل أشكال الشذوذ أو التطبيع معه.
في وقت يعيش فيه العالم العربي والإسلامي تحديات حضارية كبرى، وفي ظل تسارع حملات الترويج للشذوذ عبر مؤسسات أكاديمية وإعلامية دولية، وفي وقت يجب أن يبقى المجتمع العلمي المغربي يقظا ورافضا لأي شكل من أشكال الاختراق الثقافي الذي يلبس الشذوذ لبوس "العلم" تأتي مثل هذه القرارات لتعمق فكرة الانصياع اللامشروط في تكريس صريح للاستشراق كمنظونة يعمل عليها المجتمع الغربي منذ قرون.