لم يكن المشهد الانتخابي المغربي في ليلة 23 شتنبر عادياً بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية. فبعد سقوط مدوٍّ في انتخابات 2021، حين تراجع رصيده إلى 13 مقعداً، عاد حزب “المصباح” في استحقاقات 2026 ليحقق قفزة كبيرة إلى 54 مقعداً، مستعيداً جزءاً مهماً من حضوره داخل مجلس النواب.
النتيجة لا تعني تصدر الحزب للانتخابات، إذ جاءت في المرتبة الرابعة خلف الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، وحزب الاستقلال بـ65 مقعداً. لكنها في المقابل تجعل عودة العدالة والتنمية واحدة من أبرز عناوين هذه الانتخابات، بالنظر إلى حجم التحول مقارنة باستحقاق 2021.
من 13 مقعداً إلى 54.. «المصباح» يعود إلى الواجهة
خمس سنوات كانت كافية لتتغير صورة الحزب داخل المؤسسة التشريعية.
فبعدما كان العدالة والتنمية قد حصل على 125 مقعداً في انتخابات 2016، تراجع بشكل حاد في انتخابات 2021 إلى 13 مقعداً. أما نتائج 2026 المؤقتة، فقد حملت قفزة إلى 54 مقعداً، أي بزيادة قدرها 41 مقعداً مقارنة بالاستحقاق السابق.
وهذه الأرقام وحدها كافية لتفسير لماذا يتحدث أنصار الحزب عن عودة سياسية لافتة، حتى وإن لم يحتل الحزب المرتبة الأولى.
بنكيران أمام اختبار جديد
عودة العدالة والتنمية ترتبط بشكل مباشر أيضاً بالعودة السياسية لعبد الإله بنكيران، الذي يقود الحزب منذ المؤتمر الوطني التاسع الذي انعقد سنة 2025.
وخلال الحملة الانتخابية، أعلن بنكيران طموح حزبه في المنافسة على صدارة النتائج، مؤكداً أن “المصباح” قادر على استعادة موقعه في المشهد السياسي.
ومع إعلان النتائج، أصبح الحزب أمام مرحلة مختلفة: لم يعد ذلك التنظيم البرلماني الهامشي الذي أفرزته انتخابات 2021، لكنه في الوقت نفسه لم يستعد بعد موقع الصدارة الذي كان يحتله في انتخابات سابقة.
ماذا تعني الـ54 مقعداً؟
سياسياً، تمنح النتيجة الجديدة للعدالة والتنمية وزناً برلمانياً أكبر بكثير من الولاية السابقة، وتفتح أمامه مجالاً أوسع للتأثير في النقاشات التشريعية والسياسية.
لكن الأرقام تضع الحزب أيضاً أمام سؤال كبير: هل ستكون الـ54 مقعداً مجرد استعادة للحد الأدنى من الحضور، أم أنها بداية لمسار سياسي جديد يمكن أن يتطور خلال السنوات المقبلة؟
الجواب لن تحدده الأرقام وحدها، بل طريقة تعامل الحزب مع موقعه الجديد، وأسلوب اشتغاله داخل البرلمان، وقدرته على تحويل الحضور الانتخابي إلى أداء سياسي وتشريعي واضح.
المعارضة تلوح في الأفق
وفي الساعات التي أعقبت إعلان النتائج، برز موقف بنكيران من الحكومة المقبلة. فقد أكد أن مشاركة العدالة والتنمية في حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة ليست واردة بالنسبة إليه، وهو ما يضع احتمال تموقع الحزب في المعارضة في صلب النقاش السياسي المقبل.
وبذلك، قد يجد “المصباح” نفسه أمام معادلة جديدة: قوة برلمانية أكبر، لكن خارج دائرة قيادة الحكومة، إذا استمر الموقف المعلن من المشاركة في ائتلاف يقوده “البام”.
انتخابات 2026.. مفاجآت بالجملة
العدالة والتنمية ليس الحزب الوحيد الذي عرف تحولاً في هذه الانتخابات. فقد تصدر الأصالة والمعاصرة النتائج المؤقتة بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65، فالعدالة والتنمية بـ54 مقعداً. وبلغت نسبة المشاركة الوطنية، وفق المعطيات الرسمية المؤقتة، 38.08 في المائة.
لكن عودة “البيجيدي” إلى مستوى 54 مقعداً تبقى من أبرز التحولات الرقمية في الخريطة البرلمانية الجديدة.
من السقوط إلى العودة.. صفحة جديدة؟
بين انتخابات 2021 وانتخابات 2026 تغير الكثير داخل حزب العدالة والتنمية، لكن النتيجة الأخيرة أظهرت أن الحزب لم يختفِ من الخريطة السياسية كما كان يمكن أن توحي به نتيجة 13 مقعداً.
اليوم، عاد “المصباح” بـ54 مقعداً، وعاد معه سؤال أكبر من مجرد عدد المقاعد: هل نحن أمام انتفاضة انتخابية عابرة، أم أمام بداية عودة تدريجية لحزب العدالة والتنمية إلى قلب المشهد السياسي المغربي؟
الجواب ستكشفه المرحلة المقبلة، فيما تبقى النتائج الحالية مؤقتة إلى حين استكمال المسار الانتخابي وإعلان النتائج النهائية.